تحلیل نفسی لنموذج من شعر المتنبی بقلم الباحث: نادر ظاهر
المتنبی
نسبه و مولده
'أبو الطیب المتنبی (303 - 354 هـ / 915 - 965م
اسمه أحمد بن الحسین بن الحسن بن عبد الصمد الجعفی الكوفی الكندی. ولد بالكوفة ونشأ بالشام. و فی نسبه خلاف، إذ قیل هو نفل، و قیل هو ابن سقاء كان یسقی الماء بالكوفة، و قیل أصوله من كندة، و هم ملوك یمنیون، و دس خصومه فی نسبه، و قوى الآراء المتناقضة فی نسبه أنه لم یشر إلى أبیه فی شعره أبداً. و الغالب أن طفولته كان تتمیز بالحرمان، و بالتنقل فی العراق و الشام حیث كانت الفتن تمور.
من أین جاء لقب المتنبی؟
یقال أنها حادثة شهیرة فی حیاة المتنبی حیث ادعى النبوة فی بدایة شبابه، فی بادیة السماوة، و لئن كان قد جوز على ادعائه بالسجن بأمر من والی حمص، إلا أن حادثة تنبؤه تبدو حیلة سیاسیة لیس إلا، أو تدلیساً من الحاكم ضد الثائر الشاب. و یرى أبو العلاء المعری فی كتابه معجز أحمد أن المتنبی لُقب بهذا من النَبْوَة، و هی المكان المرتفع من الأرض، كنایة عن رفعته فی الشعر. لا عن إدعائه النُبُوَة.
المتنبی و سیف الدولة الحمدانی
و كان المتنبی قد عرف سیف الدولة من قبل، و سمع عن أفضاله الكثیر، و كانا فی سن متقاربة، فوفد علیه المتنبی، و عرض علیه أن یمدحه بشعره على ألا یقف بین یدیه لینشد قصیدته كما كان یفعل الشعراء، فأجاز له سیف الدولة أن یفعل هذا. و أجازه سیف الدولة على قصائده بالجوائز الكثیرة، و قربه إلیه فكان من أخلص خلصائه، و كان بینهما مودة و احترام، و تعد سیفیاته أصفى شعره. غیر أن المتنبی حافظ على عادته فی إفراد الجزء الأكبر من قصیدته لنفسه، و تقدیمه إیاها على ممدوحة، فكان أن حدثت بینه و بین سیف الدولة جفوة وسعها كارهوه و كانوا كثراً فی بلاط سیف الدولة. و قیل أن ابن خالویه رمى دواة الحبر على المتنبی فی بلاط سیف الدولة، فلم ینتصف له سیف الدولة، و طعن فی هذه الروایة كثیرون لأسباب متعددة. بعد تسع سنوات فی بلاط سیف الدولة جفاه الأخیر، و زادت جفوته له بفضل كارهی المتنبی، و لأسباب غیر معروفة قال البعض أنها تتعلق بحب المتنبی المزعوم لخولة شقیقة سیف الدولة التی رثاها المتنبی فی قصیدة ذكر فیها حسن مبسمها، و كان هذا مما لا یلیق عند رثاء بنات الملوك. انكسرت العلاقة الوثیقة التی كانت تربط سیف الدولة بالمتنبی، و غادره المتنبی إلى مصر حزیناً خائباً لیواصل النظر فی أطماعه السیاسیة بعد أن قال فی حضرته قصیدته الشهیرة:
التی مدح فیها نفسه و سیف الدولة، و اعتذر إلیه، و عاتبه قبل أن یغادره إلى مصر.
المتنبی و كافور الإخشیدی
الشخص الذی تلا سیف الدولة الحمدانی أهمیة فی سیرة المتنبی هو كافور الإخشیدی، و كان مبعث ذهاب المتنبی إلیه على كرهه له لأنه عبد طمعه فی ولایة یولیها إیاه. و لم یكن مدیح المتنبی لكافور صافیاً، بل بطنه بالهجاء و الحنین إلى سیف الدولة الحمدانی،
و كان كافور حذراً، داهیة، فلم ینل المتنبی منه مطلبه، بل إن وشاة المتنبی كثروا عنده، فهجاهم المتنبی، و هجا كافور و مصر هجاء مرا ومما نسب إلى المتنبی فی هجاء كافور: لا تأخذ العبد إلا والعصاة معه إن العبید لأنجاس مناكید و استقر فی عزم المتنبی أن یغادر مصر بعد أن لم ینل مطلبه، فغادرها فی یوم عید، و قال یومها قصیدته الشهیرة التی ضمنها ما بنفسه من مرارة على كافور و حاشیته
مقتله
كان المتنبی قد هجا ضبة بن یزید الأسدی العینی:
فلما كان المتنبی عائدًا یرید الكوفة، وكان فی جماعة منهم ابنه محشد وغلامه مفلح، لقیه فاتك بن أبی جهل الأسدی، وهو خال ضبّة، وكان فی جماعة أیضًا. فاقتتل الفریقان وقُتل المتنبی وابنه محشد وغلامه مفلح بالنعمانیة بالقرب من دیر العاقول غربیّ بغداد. فكان بحق رحمه الله: ملء الدنیا وشاغل الناس.
منزلته الشعریة
لأبی الطیب المتنبی مكانة سامیة لم تتح مثلها لغیره من شعراء العربیة ، فقد كان نادرة زمانه ، وأعجوبة عصره ، وظل شعره إلى الیوم مصدر إلهام ووحی للشعراء والأدباء ،یجدون فیه القوة ، والتدفق ، والشاعریة المرتكزة على الحس والتجربة الصادقة.
شعر المتنبی
كان المتنبی شاعرا من شعراء المعانی وفق بین الشعر والحكمة، وجعل أكثر عنایته بالمعنى یسكبه فی بیت واحد مهما اتسع ویصوغه بأبدع الصیاغة التی تأخذ بالألباب. أطلق الشعر من قیوده التی قیده بها أبو تمام وخرج عن أسالیب العرب المخصوصة، فهو إمام الطریقة الإبداعیة فی الشعر العربی.
تحلیل القصیدة التی یقول فیها :
لیالی بعد الظاعنین شكولٌ ….. طوالٌ ولیلُ العاشقین طویلُ
تشكل الذات محوراً فنیاً لبنیة التفكیر فی شعر المتنبی فتبدأ قصیدة الحرب المختارة له وهی مما قاله فی مدح سیف الدولة الحمدانی بغناء حزین .
إلى أن ینتقل إلى مدح نفسه والفخر بها فی قوله :
أنا السابقُ الهادی إلى ما أقوله ….. إذا القول قبل القائلین مقولُ
وما لكلامِ الناسِ فیما یریبنی ….. أصولٌ ولا لقائلیه أصولُ
أُعادى على ما یوجبُ الحبَ للفتى ….. وأهدأُ والأفكار فی تجولُ
سوى وجع الحسادِ داو فإنه ….. إذا حل فی قلب فلیس یحولُ
ولا تطمعن من حاسدٍ فی مودةٍ ….. وإن كنت تبدیها لم وتنیلُ
وإنا لنلقی الحادثاتِ بأنفسٍ ….. كثیرُ الرزایا عندهن قلیلُ
یهون علینا أن تصابَ جسوُمنا ….. وتسلم أعراضٌ لنا وعقولُ
یكشف لنا المتنبی على مستوى الواقع حیث كان یعانی مشكلة فی مجلس الدولة لعلها تتعلق بأصالة شعره- وهو سر وجوده وكل كیانه الذی یمثل به فی مجلس الدولة ویمارس دوره فیه- ولذلك یؤكد سبقه وابتكاره لشعره دون غیره من الشعراء ممن یكرر شعر غیره. ویدفع اتهامات وجهت إلیه ویصفها بأنها- كقائلیها- غیرُ ذاتِ أصول، وینفی عن نفسه أن یكون فیه ما یعاب، ویحاول أن یظهر- كعادته- عدم اكتراثه بخصومه، الذین یطعن فی موقفهم ویشكك فی أهمیة أقوالهم أنها صادرة عن الحُساد. ویتظاهر بعدم الاكتراث بأعدائه، وأنه لا یطلب عون سیف الدولة علیهم، ویبرر تظاهره بعدم الاستمداد لعون سیف الدولة، بأن الحسد من أعدائه دائم لا محالة لأنه ثابت على شخصیته لا یغادرها، كما یبرره بقوة نفسه التی یصغر عندها كبیر الرزایا، فإنه یحرص على عرضه وكرامته ولا یبالی بما یصیبه من مشقة وجهد أو خسارة مادیة،
و قد عبر تعبیراً صریحاً عن مشكلته فی مجلس سیف الدولة فی ختام قصیدته .
التحلیل النفسی:
من الملاحظ أن هذه القصیدة تدور حول مدح سیف الدولة الحمدانی ولكن جنون العظمة عند المتنبی تدفعه لتمجید نفسه فبعد أن فرغ من مدح سیف الدولة التفت إلى مدح نفسه فه یرى نفسه بأنه یعادل منزلة سیف الدولة الحمدانی ویعادل منزلة الملوك والأمراء فهو الذی یقول :
وفؤادی من الملوك وان كان لسانی یرى من الشعراء
وهذا ما جعله متفوقا على أنداده فكثر حساده وكثرة حساده دلیلا على علو منزلته عند سیف الدولة وكان هدف الحاسدون أزاحت المتنبی من طریقهم لیصلوا إلى مكانة عند سیف الدولة لذلك رد علیهم المتنبی بأبیات اظهر فیها جنونه بنفسه وهذا ما یعرف بالنرجسیة .
یتعالى المتنبی فی البیت الأول على الشعراء (أنا السابق الهادی ) فهو الأسبق إلى اختراع المعانی المبتكرة التی لا یسبقها إلیه احد ولا یكتفی المتنبی بقدر هذا الفخر بل یؤكد فی الشطر الثانی من البیت الأول أن الشعراء الآخرون یمیلون إلى الانتفاع من معانیه هو . إذا یوجد اعتزاز بشخصیته فی هذا القول أكثر من هذا وقد ورد للمتنبی بیت یعادل معنى هذا البیت فی الفخر والعظمة بشعره عندما قال :
أجزنی إذا أُنشدت شعرا فإذا ما بشعری أتاك المادحون مرددا
فدع كل صوت غیر صوتی فإننی أنا الطائر المحكی والأخر الصدى
فأصداء معانیه هی أشعار غیره أی أنهم یسرقون معانیه ویرددونها
ولا یكتفی المتنبی بالتعالی على حساده وأسبقیته لاختراع المعانی بل یؤكد فی البیت الثالث عدم اهتمامه لكلام الحاسدین علیه فكلامهم هذا لیس له أصل ولیس هذا فحسب بل إن قائلیه أیضا لیس لهم أصل .
إذا نلاحظ من خلال هذا البیت كیف تلعب النرجسیة دورا هاما فی رفع نفسیة المتنبی عالیا وتعالیها عن غیرها من الشعراء فهی تتعالی به علیهم فی أنهم یقلدون معانیه ثم ترتفع به أكثر فأكثر لدرجة أنهم عند المقارنة بین شخصیتهم وبین شخصیته سنجد أن شخصیتهم لا ترد إلى أصل معین .
وإذا انتقلنا إلى البیت سنجد كیف یبین المتنبی العداوة بینه وبین حساده فهی لیست عداوة لسبب یستحق أن یعادى علیه بل عادوه لتوفر القیم والفضائل والخصال فیه فهذه الخصائص الذی یتحلى بها المتنبی كان یجب أن تقابل بالمحبة منهم ولكن معاداتهم له كانت بسبب تفوقه علیهم ورفعة منزلته عند الأمیر ولكن بعد كل هذه العدواة هل ینزل المتنبی الى منزلتهم ویعادیهم مثلما عاده ؟ كلا فهو اعلی من أن یفعلها لذلك قال (وأهدأ والأفكار فی تجول ) إذا بعد كل هذه المعاملة والعداوة منهم یظل المتنبی هادئا لا یعادیهم ولا یرد علیهم بالمثل حتى لا ینزل من قدره فیهبط إلى مستواهم .
فأغلب الأمراض لها دواء إلا القلیل منها وهذا ما أكده فی البیت الرابع حیث انه أكد بان حاسدیه لن یجدوا داء لمرضهم هذا فالمتنبی ظل اعلی منهم مكانة فبالتالی لن ینتهوا من حسدهم له فكلما وقع الحسد فی قلبهم لا ینصرف عنهم حتى یكیدوا له .
لقد خبر المتنبی الناس كافة وامتلأت جعبته بالخبرة فیظهر فی البیت الخامس بالحكیم الذی یقدم خبرته للناس وهذه الحكمة تتحدث عن الحاسدین فهو بذلك یرید تنبیه الناس من الحاسدین لأنه جرب معاملتهم وعانى كثیرا منهم فیحذر الناس من تقبل المودة من الحاسدین حتى لو كان الناس حریصون على تقدیم المودة للحاسدین , فالحاسد تبدل له الحب وتبدل له المودة ولكنه لا یبدك ذلك الشعور .
ویتصدر البیت السادس بقوله (وإنا لنلقی) حیث ضمیر الجمع فی (إنا) وفی (نلقی) ومن المعروف أن تحدث الشخص بضمیر الجمع تأكیدا على علو المنزلة وجنون العظمة بالنفس فالملوك والأمراء یتحدثون بضمیر الجمع هذا والمتنبی لا یرى نفسه اقل شئنا منهم .
فیقول فی هذا البیت أن المصائب التی واجهها والتی یعرفها هی مجهولة عند حاسدیه ولا یعرفون لها سبیل وان دل هذا الأمر على شیء فإنما یدل على قوة صبر وجلد المتنبی وتحمله للمصائب أما حاسدیه فهم قلیلو الخبرة لم یغامروا مثله ولم یتعرضوا للأهوال مثله وبالتالی فان إصابتهم مصیبة ذهبت ریحهم لقلة جلدهم فشتان بینه
وبینهم . وبالتالی فهو یصبر على عداوتهم له ویتحمل آلامها .
و فی البیت الأخیر یظهر ضیقه من حاسدیه لأنهم یجرحونه فی عقله وفی عرضه لا یجرحونه فی جسمه فجرح الجسم یهون أما جرح العرض فلا یهون لذلك كان غضب المتنبی علیهم اكبر وأعظم .
ولكن إلحاحه على ذكر الحساد- مرتین فی بیتین متتالیین- اعتقد بأنه یكشف عن شقائه بهم , ولكن نرجسیة المتنبی تمنعه من أن یظهر ألمه وضیقه من حاسدیه .
:: دسته بندی مقالات: العصر العباسی , النقد الادبی ,
+ نوشته شده در جمعه هفدهم آبان ۱۳۹۲ ساعت 17:15 توسط سهیلا شجیرات
|
این وبلاگ با توجه به عنوان پایان نامه نویسنده طراحی و تنظیم شده است.